كفى من أبطال الضحايا: ما الذي يقوله اختيارنا للأبطال عن قيمنا؟

لا يُختار الأبطال الذين يحتفي بهم مجتمع ما اعتباطاً. فهم يمنحون قيماً ذلك المجتمع، ورؤيته للشجاعة، وطريقته في تصور العظمة، شكلاً ملموساً. وقد يُعجب بالبطل لفتوحاته، أو إحساسه بالواجب، أو قدرته على التحمّل، أو تضحيته، أو قدرته على تجسيد قضية. غير أن هذه المعايير لا تنتج النماذج الإنسانية نفسها.
تضع قراءة نقدية معاصرة في مواجهة بين صورتين: البطل التقليدي المرتبط بالفعل والمخاطرة والقوة، و«بطل الضحية» الذي تستمد سلطته الأخلاقية، قبل كل شيء، من المعاناة التي تكبدها أو من التنديد بالهيمنة التي تعرض لها أو من موقعه كمقهور. ويثير هذا التقابل سؤالاً أوسع: ماذا يصبح مفهوم البطولة ذاته حين تصبح الهشاشة وصفة الضحية مصدرين أساسيين للشرعية؟
البطل مرآة القيم الجماعية
إن تحديد أبطالك يعني في كثير من الأحيان تحديد ما تراه جديراً بالإعجاب. فالبطل ليس مجرد شخصية تاريخية أو خيالية، بل هو مرجع ودليل. وهو يبيّن ما تأمل جماعة ما في نقله أو محاكاته أو تكريمه.
في تصور كلاسيكي، يتميز البطل بخصال ظاهرة: الشجاعة أمام الخطر، وقبول المخاطرة، والطموح، وحس الشرف، والقدرة على الفعل وسط عدم اليقين، والسعي إلى هدف يتجاوز شخصه. وتتقبل هذه الشخصية أيضاً بعداً مأساوياً: إذ لا يقدم الفعل السياسي أو العسكري أي ضمان للاستمرار أو النجاح أو الاعتراف.
ويُستدعى نابليون مثالاً على هذا النوع من الأبطال. فصورته تحيل إلى إرادة القوة، وتوق العظمة، والسلطة، والفتح. وفي هذا الإطار، لا تقوم البطولة على البراءة أو النقاء الأخلاقي، بل على كثافة فعل يتحمله صاحبه وعلى القدرة على التأثير في التاريخ.
ظهور شخصية بطل الضحية
في المقابل، تستمد شخصية بطل الضحية قوتها من المعاناة التي احتملتها ومن الظلم الذي تقاومه. وهي تندرج ضمن مخيال يحظى فيه المقهور بتفوق أخلاقي في مواجهة من يُصوَّر بوصفه المسيطر أو المضطهِد أو الجلاد. وبذلك، يمكن أن ينتقل ميزان القوة إلى ساحة الحكم الأخلاقي.
ولا يعني هذا المنطق بالضرورة إنكار كل فعل سياسي، بل يركز على رواية الهيمنة وجبر الضرر. فمن ينجح في الظهور بوصفه الطرف الأكثر تعرضاً أو إذلالاً أو اضطهاداً يكتسب موقعاً أخلاقياً قوياً. وعندئذ قد يُجرَّد خصمه من الشرعية، ليس بسبب أفعاله وحدها، بل بسبب ما يمثله في الرواية الجماعية.
وترى هذه الرؤية في تنافس الضحايا ظاهرة كبرى في الحياة العامة المعاصرة. فلم تعد الصراعات تدور فقط حول المصالح أو البرامج أو القوة، بل أيضاً حول قدرة كل معسكر على انتزاع الاعتراف بجرحه أو إقصائه أو الضرر الذي لحق به.
غاندي: لاعنف أخلاقي أم استراتيجية سياسية؟
يرتبط غاندي على نطاق واسع باللاعنف وبالنضال من أجل استقلال الهند. وهو، من هذا المنظور، أحد أبرز الشخصيات العالمية للمقاومة السلمية. وغالباً ما ترتبط صورته بالسلام والشجاعة الأخلاقية وقوة التخلي عن العنف.
أما القراءة المعروضة هنا فتختلف، إذ ترى أن اللاعنف يمكن فهمه أيضاً بوصفه استراتيجية سياسية. وتبرز عبارة منسوبة إلى غاندي: «أفضل ألف مرة أن أخاطر بالعنف على أن أخاطر بإخصاء عرق بأكمله». وانطلاقاً من هذا الاقتباس، لا يُقدَّم اللاعنف بوصفه سلمية مطلقة، بل باعتباره أسلوباً ملائماً لميزان قوى ولحساسية أخلاقية مخصوصة.
وفق هذا التفسير، يتيح اختيار اللاعنف وضع الخصم في موقف ذي كلفة أخلاقية: فاستخدام القوة ضد أشخاص يرفضون الرد بالعنف قد يثير السخط ويعزز شرعية قضيتهم. وهكذا تصبح صفة الضحية أيضاً رافعة سياسية.
ولا ينتقص مثل هذا التحليل من أهمية غاندي التاريخية، بل يدعو إلى عدم اختزال استراتيجية سياسية في صورة أحادية للقداسة. فقد يدافع قائد عن أسلوب لا عنيف، وفي الوقت نفسه يسعى إلى هدف السيادة والتحرر الوطني والقوة الجماعية.
نيلسون مانديلا وتوترات الرواية البطولية
يرتبط نيلسون مانديلا كثيراً بالمساواة والمصالحة والتفاهم بين الشعوب. وتستند مكانته الدولية بدرجة كبيرة إلى هذه الصورة. لكن قراءة نقدية تذكّر بأن المسارات السياسية نادراً ما يمكن اختزالها في رسالة توافقية.
ويؤكد النص الذي انطلقت منه هذه المقاربة، على وجه الخصوص، أن مانديلا شارك في تنظيم أكثر من 200 اعتداء، وأنه واصل تنسيق عمليات المؤتمر الوطني الأفريقي أثناء سجنه. وتُستدعى هذه العناصر لتسليط الضوء على الفارق المفترض بين تمثيل عام مسالم ومسار اتسم بالنضال السياسي والعنف والصراع في جنوب أفريقيا.
ولا يتمثل رهان النقاش في الفصل المتسرع في مصير شخصية تاريخية، بل في فهم كيفية صنع الروايات البطولية. فقد تفضّل ذاكرة جماعية وقائع وخطابات وصوراً بعينها لتحويل شخصية ما إلى رمز. ويُفسَّر منح جائزة نوبل للسلام لنيلسون مانديلا، من هذا المنطلق، باعتباره تتويجاً لشخصية أصبحت منسجمة مع قيم المصالحة والمساواة التي يجري إبرازها على الصعيد الدولي.
لماذا يثير أبطال الفعل انقساماً أكبر؟
لا يحظى أبطال الفتح أو الحرب أو السلطة بإجماع. فهم يذكرون بأن التاريخ ينطوي على موازين قوى وانتصارات وهزائم وقرارات تكون أحياناً غير قابلة للتراجع. ولا تعفيهم عظمتهم المحتملة من الجدل؛ بل تجعل إدماجهم في أخلاق بسيطة أكثر صعوبة.
تقوم انتقادات «الأبطال الجدد» على فكرة أن المجتمع الذي يثمّن، في المقام الأول، الضعف الذي فُرض على الفرد ينتهي إلى الارتياب من القوة المتحمَّلة بمسؤولية. وعندئذ تصبح شخصيات القوة موضع شبهة، لأنها تفرض معايير عالية: الشجاعة والانضباط والقدرة على تحمّل المحنة والطموح والمسؤولية.
وفق هذا المنظور، فإن استبدال أبطال الفعل بأبطال تُعرَّف مكانتهم أساساً بمعاناتهم من شأنه أن يغير سلم القيم. فلن تعود العظمة مرتبطة بما ينجزه الإنسان، بل بالمكان الذي يشغله في رواية الاضطهاد وجبر الضرر.
استعادة مفهوم متطلب للقدوة
يتصل سؤال الأبطال أيضاً بعلاقة شخصية بالجهد. فقد توفر الشخصيات المُعجَب بها مقياساً داخلياً عند حلول الشك أو التعب أو الإحباط. ويُستعمل استحضار مقاتلي الحرب العالمية الأولى، الذين واجهوا الخنادق والقصف وموت رفاقهم، هنا كنقطة مقارنة: فأمام مثل هذه المحن، يمكن وضع الصعوبات العادية في منظور مختلف.
ولا تدعو هذه الإشارة إلى إعادة إنتاج تجارب الماضي أو تمجيد الحرب. إنها تطرح سؤالاً أبسط: أي أمثلة تتيح لنا تذكّر أننا قادرون على تحمّل أكثر مما نظن؟
لذلك لا يُحسم النقاش بين أبطال الضحايا وأبطال الفعل بقائمة نهائية من النماذج الجيدة والسيئة. بل يجبرنا على تفحص الفضائل التي نربطها بالبطولة: التعاطف والمقاومة والكرامة والجرأة والتضحية والقوة والمصالحة وحس الواجب. فاختيار الأبطال هو أيضاً اختيار للصفات التي نرغب في أن تنمو داخل المجتمع.
أسئلة شائعة حول أبطال الضحايا
ما هو بطل الضحية؟
يشير المصطلح إلى شخصية بطولية تستند شرعيتها أساساً إلى المعاناة التي تكبدتها، أو الاضطهاد الذي تندد به، أو قدرتها على تمثيل قضية تعد نفسها ضحية لهيمنة ما.
لماذا الأبطال مهمون في المجتمع؟
يجسدون قيماً ويقدمون نماذج للسلوك. ويؤثر موقعهم في الذاكرة الجماعية في الطريقة التي يعرّف بها المجتمع الشجاعة أو النجاح أو الواجب أو العدالة.
هل البطل السلمي هو بالضرورة بطل ضحية؟
لا. يمكن فهم اللاعنف بوصفه مبدأ أخلاقياً أو استراتيجية سياسية أو كليهما معاً. أما مفهوم بطل الضحية فيشير، بصورة أدق، إلى مركزية صفة الضحية في بناء الشرعية البطولية.



